السيد محمد تقي المدرسي
86
الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)
أوجب فساد مائها ، بل وكذا لو حفر بئراً قرب بئره إذا أوجب نقص مائها وكان ذلك من جهة جذب الثانية ماء الأولى ، وأما إذا كان من جهة أن الثانية لكونها أعمق ووقوعها في سمت مجرى المياه ينحدر فيها الماء من عروق الأرض قبل أن يصل إلى الأولى ، فالظاهر « 1 » أنه لا مانع منه ، والمائز بين الصورتين أولوا الحدس الصائب من أهل الخبرة ، وكذا لا مانع من إطالة البناء وإن كان مانعاً من الشمس والقمر أو الهواء ، أو جعل داره مدبغة أو مخبزة مثلًا وإن تأذى الجار من الريح والدخان إذا لم يكن بقصد الإيذاء ، وكذا إحداث ثقبة في جداره إلى دار جاره موجبة للإشراف أو لانجذاب الهواء ، فإن المحرم هو التطلع على دار الجار ، لا مجرد ثقب الجدار . ( مسألة 17 ) : لا يخفى إن أمر الجار شديد ، وحث الشرع الأقدس على رعايته أكيد ، والأخبار في وجوب كف الأذى عن الجار ، وفي الحث على حسن الجوار كثيرة لا تحصى ، فعن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : ( ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ، وفي حديث آخر أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر علياً عليه السّلام وسلمان وأبا ذر - قال الراوي : ونسيت آخر وأظنه المقداد - أن ينادوا في المسجد بأعلى صوتهم بأنه : ( لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه ، فنادوا بها ثلاثاً ) ، وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام عن أبيه قال : ( قرأت في كتاب علي عليه السّلام إن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب : إن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وحرمة الجار كحرمة أمه ) وروى الصدوق بإسناده عن الصادق عليه السّلام عن علي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : ( من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير ، ومَن ضيّع جاره فليس مني ) وعن الرضا عليه السّلام : ( ليس منا مَن لم يأمن جاره بوائقه ) ، وعن الصادق عليه السّلام أنه قال والبيت غاص بأهله : ( اعلموا أنه ليس منا مَن لم يحسن مجاورة من جاوره ) ، وعنه عليه السّلام قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ( حسن الجوار يعمّر الديار وينسي في الأعمار ) ، فاللازم على كل من يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر الاجتناب عن كل ما يؤذي الجار وإن لم يكن مما يوجب فساداً أو ضرراً في ملكه إلا أن يكون في تركه ضرراً فاحشاً على نفسه . ولا ريب إن مثل ثقب الجدار الموجب للإشراف على دار الجار إيذاء عليه وأي إيذاء ، وكذا إحداث ما يتأذى من ريحه أو دخانه أو صوته أو ما يمنع عن وصول الهواء إليه أو عن إشراق الشمس عليه وغير ذلك .
--> ( 1 ) الظاهر عند تضارب المصالح إقامة العدل الذي يتفق عليه العرف بحيث لا يضار أحد بفعل الآخر ، فلا المالك يمنع من حق التصرف في ماله ولا يسمح له أن يضر بجاره ، وإذا لم يتفق العرف ينبغي مراجعة الفقيه الذي سيضع نظاما لعلاقاتهم وتصرفاتهم وقد يأمرهم بالتصالح الجبري .